سجون وفنون
كتبهامفتاح االعماري ، في 7 أكتوبر 2007 الساعة: 03:59 ص
تفاصيل عربية ..
· مفتاح العماري
في بلد عربي ما ، كتب شاعر ما قصيدته الخائبة التي تختزل معناها في شطرة واحدة ، تقول :لأنّي لم أدخل السجن بكاني داخله . ولعل هذا الخاطر المجنون جاء كمخاض لزمن عربي أكثر وحشية وجنوناً . زمن كانت فيه سجون الوطن الكبير سخية في إيواء المساجين السياسيين الذين يتألف معظمهم من المثقفين الحالمين بعد أن قُدّر على أغلبهم دخول السجن السياسي وفق مساوىء الصدف أو محاسنها . حيث يكفي في ذلك الزمن أن يرتدي شاعر مراهق قميصاً أحمر ويتأبط أشعار " مايكوفسكي " لتكال له تهم الشيوعية والتآمر على الدين والوطن . ولأمر ما يتعلق بسيكولجيا أهل ذاك الزمان تحول السجين السياسي إلى بطل مضمر تحيطه المهابة وصفة النضال .. الأمر الذي آثار شهية بعض المغامرين المصابين بهوس استعراض البطولات ليطوفوا بين المقاهي والحانات متأبطين نسخاً مهترئة من " رأس المال " و " البيان الشيوعي متعتعين ، يصبّون اللعنات علىالوطن والعائلة والنقود .. إلى الحد الذي اختلط فيه الحابل بالنابل والتبست مظاهر الصدق بالكذب فنال الكثير من الأدعياء والشطار شرف العقاب المقدس بمحض السكرة التي ما إن طارت حتى استيقظت الفكرة في رأس الأجهزة الأمنية الغبية لتقف في آخر الأمر على فداحة جرائمها وتكتشف بعد فوات الأوان أن حماقاتها جعلتها تسند أدوار البطولة لأشخاص من فئة الكومبارس ، تكمن جريمتهم الوحيدة في إعلانات مجانية تشي بأنهم على علاقة ما بهوس القمصان الحمراء وروايات " مكسيم جوركي " وأشعار ما ياكوفسكي ".وهكذا أدركت أجهزة الأمن العربية بعد لأي بأن سيوف الخشب أقل ضراوة من طواحين الهواء .. وإزاء هذه المعلومة البديهية بدأت تبحث عن حيلة أخرى يتعذر فيها على " دون كيشوت " ورفيقه " سانشو " الاستمرار في إثارة المزيد من معارك الوهم…. وأن تغير مسارهما باتجاه متاهة أخرى كفيلة بتفريغ سجون الوطن من بعض ساكنيها . فكان الإهمال والتبخيس أشد قسوة من ظلمة الزنازين . لذا لم يكن أمام سلالة " دون كيشوت " سوى اللجوء إلى المنافي بعد أن لعنتهم الأمهات وضاقت بهم سجون الوطن . لأنه ، وباختصار شديد لم يعد أمام المثقف العربي سوى طريقين لا ثالث لهما : امّا الرضوخ لسياسة الاحتواء أو اللجوء إلى أرصفة المنافي . وبين هذه وتلك ، ظلّت الحرية هي الضحية الوحيدة في تراجيديا مشهدنا الثقافي العربي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























